عبد الله بن أحمد النسفي

258

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

( حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة ) « 1 » فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام ، لأنّها ليست من الدنيا ، والثالث مطوي وكأنّه عليه السّلام ترك ذكر الثالث تنبيها على أنّه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئا من الدنيا فذكر شيئا هو من الدّين ، وقيل في سبب هذا الأثر أنّه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عليه السّلام عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه ، وقيل إنّه جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السّلام : انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقّه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شقّ رأسه ، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشقّ الآخر ، فبقي أثر قدميه عليه ، وأمان من دخله بدعوة إبراهيم عليه السّلام : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً « 2 » وكان الرجل لو جنى كلّ جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب ، وعن عمر رضي اللّه عنه : لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه ، ومن لزمه القتل في الحلّ بقود أو ردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنّه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج ، وقيل آمنا من النار لقوله عليه السّلام : ( من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا من النار ) « 3 » وعنه عليه السّلام : ( الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة ) « 4 » وهما مقبرتا مكة والمدينة وعنه عليه السّلام : ( من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام ) « 5 » وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ أي استقرّ له عليهم فرض الحج ، حجّ البيت كوفي غير أبي بكر وهو اسم ، وبالفتح مصدر ، وقيل هما لغتان في مصدر حجّ مَنْ في موضع جر على أنّه بدل البعض من الكلّ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فسّرها النبي عليه السّلام بالزاد والراحلة ، والضمير في إليه للبيت أو للحجّ ، وكلّ مأتى إلى الشيء فهو سبيل إليه ، ولما نزل قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل الأديان كلّهم فخطبهم فقال : ( إنّ اللّه تعالى كتب عليكم الحجّ فحجوا ) فآمنت به ملّة واحدة وهم المسلمون وكفرت به

--> ( 1 ) أخرجه النسائي ورواه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة وابن سعد والبزار وأبو يعلى وابن عدي ، وضعفه العقيلي والدارقطني جميعهم من طرق وفيه كلام . ( 2 ) البقرة ، 2 / 126 . ( 3 ) رواه البيهقي في الشعب وأبو داود الطيالسي وعبد الرزاق والطبراني وابن عدي وفيه ضعف ، وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات : وفي ( ظ ) في إحدى . ( 4 ) قال ابن حجر : لم أجده . ( 5 ) ذكره الأزرقي في تاريخ مكة بغير إسناد ، وأخرجه العقيلي في الضعفاء .